السيد كمال الحيدري
27
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
بناءه من قبيل القسم الأوّل ، لكنّه ليس سبباً موجباً تامّاً ، بل يفتقر في ذلك إلى قابل وآلة ووضع خاصّ وزمان خاصّ وشرائط أخرى . فنقول : نسبة جميع الأمور في هذا العالم إليه تعالى ، نسبة صنع الصانع المختار إلى نفسه الصانعة ، ونسبة تصنيف الكتاب الحِكمي إلى نفس مصنّفه العليم الحكيم لو كانت تامّة الفاعليّة ، بأن يكون مجرّد تصوّره كافياً لحصول صنعه أو تصنيفه في الخارج . فصدور الأشياء عن الباري جلّ اسمه في الخارج بأنّها عقلت أوّلًا فصدرت ، وتعقّله تعالى إيّاها ليست بأنّها وجدت أوّلًا فعقلت ، لأنّ صدورها عن عقله ، لا عقله عن صدورها ، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء قياس أفكارنا التي نستنبطها أوّلًا ، ثمّ نوجدها ، من جهة أنّ المعقول منها سببٌ للموجود في الجملة ، مع وجوه من الفرق كثيرة » « 1 » . وهذا القول هو المشهور بين المتكلّمين ، كما أشار إليه المصنّف في المتن بقوله : « واعلم أنّ أكثر المتكلّمين على هذا القول ، بيدَ أنّ المتكلّمين لم يذعنوا إلى نظريّة المشّائين بتمامها ، بل اختلفوا معهم في نقطتين : الأولى : لم يقبلوا ما ذهب إليه المشاؤون من وصف العلم الإلهي بالكلّية ، لأنّهم تصوّروا أنّ علم الله إذا صار كلّياً ، فهو لن يعلم الجزئي . ومنشأ هذا الرفض يعود إلى استخدام فلاسفة المشّاء تعبير « على وجه الكلّية » فتصوّر المتكلِّمون أنّ ما يقصده المشّاؤون هو الكلّي في مقابل الجزئي ، ومن ثمّ رتّبوا عليه أنّ الله يعلم الكلّيات ولا يعلم الجزئيّات ، وهذا ما أشار إليه المصنّف في المتن بقوله : « وإن طعنوا فيه من حيث عدّه العلم قبل الإيجاد كلّياً ، زعماً منهم أنّ المراد بالكلّي ما اصطلح في مبحث الكلّي والجزئي من المنطق » . ولعلّ هذا الالتباس صار منشأً لما ذهب إليه العلّامة المجلسي في بحار الأنوار ، من نسبة جمهور الفلاسفة إلى نفي علم الله بالجزئيّات ، حين قال :
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 189 .